على مدى 5 آلاف عام، كانت مصر حضارة قامت حول النهر، لكن في عهد رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي تتجه البلاد نحو البحر المتوسط، بحسب تحليل نشره ذا ناشيونال إنترست بقلم كارلوس روا، الذي يرى أن مصر تشهد تحولًا طويل الأمد يهدف إلى إعادة توجيه اقتصادها وتركيبتها السكانية نحو السواحل.
ويرى ذا ناشيونال إنترست أن مصر ظلت تاريخيًا قوة برية تتمحور حول وادي النيل الخصيب والصحاري المحيطة به، مع امتدادات متقطعة نحو بلاد الشام. ورغم استفادتها منذ زمن بعيد من التجارة البحرية التي تمر عبر أراضيها، فإن البلاد نادرًا ما كانت المحرك الرئيسي لهذه التجارة أو مالكًا لشبكاتها.
لكن هذا الثابت التاريخي يشهد تغيرًا حاليًا، إذ يتبنى السيسي استراتيجية طويلة الأمد لإعادة توجيه مصر نحو البحر. ويتمثل جوهر هذه الاستراتيجية في محاولة نقل الكثافة السكانية والاقتصادية بعيدًا عن وادي النيل والدلتا، حيث يعيش نحو 95% من المصريين، إلى مدن ساحلية ومراكز حضرية جديدة على امتداد البحر المتوسط.
وبالتوازي مع مشروعات البنية التحتية الكبرى، ودفع التصنيع، وتعظيم الاستفادة من قناة السويس، يهدف هذا التحول إلى إعادة تشكيل مصر بصورة شاملة، وهي عملية يرى الكاتب أن معظم المراقبين الدوليين لا ينتبهون إلى أبعادها كاملة.
من دولة العبور إلى اقتصاد صناعي ولوجستي يتمحور حول قناة السويس
على مدار معظم تاريخها، أدت مصر دور ممر لعبور الأنشطة التجارية للآخرين. فقد ساعدت الضرائب الجمركية على التجارة القادمة من البحر الأحمر عبر الأراضي المصرية في تمويل ثلث التكاليف العسكرية والإدارية للإمبراطورية الرومانية.
وفي العصر الحديث، تحصل مصر على رسوم مرور وتدير حركة ما بين 12 و15% من التجارة العالمية عبر قناة السويس، لكن السفن والبضائع والشبكات التجارية تظل في معظمها أجنبية.
وعزز هذا الإرث التاريخي بنية اقتصادية داخلية تنظر إلى البلاد باعتبارها دولة ريعية، وهي عقلية استمرت حتى بعد الاستقلال بفترة طويلة.
وبينما تعبر ثروات ضخمة من مختلف أنحاء العالم الأراضي والمياه الإقليمية المصرية، ينظر قادة البلاد إليها أساسًا باعتبارها مصدرًا ثابتًا للإيرادات، وليس منصة محتملة لنشاط تجاري خارجي نشط ومنفتح على العالم. ونتيجة لذلك، خضع التطور الاقتصادي الداخلي لهذا التصور.
وأنتجت هذه العقلية الريعية، إلى جانب الواقع السياسي الذي ساد بعد الاستقلال، عقدًا اجتماعيًا غير مكتوب في مصر، إذ قدمت الدولة السلطوية خدمات واسعة في مجالات الغذاء المدعوم والتعليم والرعاية الصحية والتوظيف الحكومي المضمون، مقابل الولاء السياسي وتقييد الحريات السياسية.
وأدى ذلك إلى نشوء طبقة وسطى حضرية كبيرة تعتمد على دعم الدولة، وتساعد في المقابل على استمرار النخبة الحاكمة.
لكن مع مرور الوقت، تجاوز النفوذ الاقتصادي والطموحات السياسية لهذه الطبقة الوسطى، مدفوعة برؤية عالمية جديدة أتاحها الإنترنت، الحدود الضيقة للرعاية الحكومية.
وبدأت هذه الطبقة تنظر إلى الدعم الحكومي، الذي شكل أساس وجودها ذاته، باعتباره عائقًا أمام الازدهار الأكبر الذي ترى أنها تستحقه.
ومن هذا المنظور، جاءت ثورة 2011 نتيجة تصادم واقعين: طبقة وسطى تطالب بدور مباشر في إدارة بلد تعتقد أن قيادته أساءت إدارته، ونموذج دولة استنفد قدرته على التوسع.
وكان هذا هو الإرث الصعب الذي ورثه عبد الفتاح السيسي عندما استولى على السلطة عام 2013 بانقلاب، كما أن استجابته، بحسب الكاتب، جاءت أكثر جذرية مما يدركه معظم المراقبين، إذ دفع باتجاه تحول اقتصادي وديموجرافي وطني تقوده الدولة من أعلى إلى أسفل، على غرار الإصلاحات الاقتصادية التي قادتها الصين في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
وأكد السيسي هذا التوجه خلال افتتاح «العاصمة الإدارية الجديدة» عام 2021، التي شُيدت لتحل محل القاهرة، عندما قال إنها تمثل «ميلاد جمهورية جديدة».
بناء «الجمهورية المصرية الثانية» عبر مدن جديدة وقناة السويس
تظهر التحولات المادية التي تشهدها مصر الصورة الأكثر وضوحًا لهذا التغيير، وتأتي قناة السويس في مقدمة هذه التحولات.
ففي 5 أغسطس 2014، أطلق السيسي مشروع قناة السويس الجديدة، الذي يُعد من أبرز عمليات توسعة الممر الملاحي منذ إنشائه. وأضاف المشروع قناة موازية، وعمّق ووسّع أجزاء قائمة، واكتمل خلال عام واحد فقط.
طرح السيسي أيضًا مشروع المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تضم أربع مناطق صناعية وستة موانئ موزعة على نقاط مختلفة من القناة ومداخلها، وتعمل ضمن إطار قانوني وتنظيمي وجمركي مستقل يستهدف جذب الاستثمارات.
وتسارعت أعمال تطوير المنطقة، مع بناء عشرات المصانع أو دخولها مراحل الإنشاء.
ويتمثل الهدف المعلن في تحويل ممر قناة السويس إلى مركز عالمي متكامل للخدمات اللوجستية والصناعة. فبدلًا من الاكتفاء بمرور السلع عبر القناة، تسعى مصر إلى تصنيعها وإضافة قيمة إليها بالقرب من الممر الملاحي، وإنتاجها بتكاليف تنافسية ثم شحنها مباشرة إلى أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها.
واجتذب هذا التوجه اهتمام مستثمرين من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك رؤوس الأموال الصينية، إلى جانب أكثر من 600 مليون دولار من السعودية والإمارات، مع تركيز المستثمرين على انخفاض تكاليف العمالة في مصر وقربها من الأسواق الاستهلاكية الكبرى.
ويتطلب هذا التوسع الصناعي الضخم قوة عاملة محلية كبيرة، ولذلك تنشئ الحكومة مدنًا جديدة بالكامل على امتداد القناة لتشجيع الهجرة الداخلية بعيدًا عن القاهرة المكتظة ووادي النيل.
وتشمل هذه المشروعات مدينة الإسماعيلية الجديدة، التي تجاوز عدد سكانها 200 ألف نسمة ويُخطط لاستيعاب ما يصل إلى نصف مليون نسمة، وشرق بورسعيد، التي تكمل مدينة بورسعيد القائمة، إلى جانب مدينة السويس الجديدة وغيرها.
ولا تقتصر هذه الطفرة العمرانية على منطقة قناة السويس، إذ تنفذ الحكومة، تحت مظلة «رؤية مصر 2030»، التي أطلقتها في فبراير 2016، برنامجًا طموحًا لبناء المدن في مختلف أنحاء البلاد.
ورغم أن الخطة تتوافق نظريًا مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وتتبنى شعارات مثل النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمساواة والاستدامة البيئية وتمكين المرأة، فإنها تمثل في الواقع، بحسب الكاتب، إعادة تصميم مادية للدولة المصرية وسكانها وجغرافيتها.
وتبرز «العاصمة الجديدة» باعتبارها المثال الأكثر وضوحًا على ذلك. فقد انتقل إليها بالفعل عدد كبير من موظفي الحكومة، وأصبحت وزارة الدفاع تعمل من مقرها الضخم المعروف باسم «الأوكتاجون»، فيما تتحول العاصمة تدريجيًا إلى المركز السياسي للبلاد، مع استهداف وصول عدد سكانها مستقبلًا إلى ملايين الأشخاص.
ويُفترض أن يؤدي حي المال والأعمال في العاصمة دور مركز مالي إقليمي جديد، ويضم بالفعل البرج الأيقوني الذي يبلغ ارتفاعه 385.5 مترًا، ويُعد أطول مبنى في أفريقيا.
ومن بين الأهداف المعلنة للمشروع تخفيف الازدحام في القاهرة الكبرى، التي يبلغ عدد سكانها 22.9 مليون نسمة، وتحفيز التنمية الاقتصادية والاستثمار، وتعزيز النمو الحضري المستدام، إلى جانب دفع التحول الرقمي لمصر وتعزيز مكانتها الإقليمية.
وبالمثل، تُبنى مدن جديدة بالكامل على ساحل البحر المتوسط لتصبح مراكز للسياحة والرفاهية والتعليم والوظائف الحكومية، ومن بينها العلمين الجديدة وسيدي عبد الرحمن والضبعة، التي تستضيف أول محطة للطاقة النووية في مصر، ورأس الحكمة، إلى جانب مدن أخرى مقرر إنشاؤها وفق جداول زمنية تمتد حتى عام 2052.
وتدعم هذه المشروعات بنية تحتية جديدة تهدف إلى ربط المدن والمناطق الصناعية، وفي مقدمتها شبكة القطارات فائقة السرعة التي توصف في بعض الأحيان بأنها «قناة السويس على القضبان».
ويربط الخط الرئيسي بين ميناء العين السخنة على البحر الأحمر ومينائي الإسكندرية ومرسى مطروح على البحر المتوسط، ليشكل ممرًا بريًا مباشرًا بين البحرين.
وتستهدف الشبكة نقل الركاب والبضائع معًا، وتشير التوقعات إلى قدرتها على نقل نحو 15 مليون طن من البضائع سنويًا. ومن المقرر أن تكتمل الخطوط الأولى العام المقبل، لتتكامل مع قناة السويس وتربط المناطق الاقتصادية الجديدة والعاصمة الجديدة ومناطق التنمية الساحلية ضمن منظومة واحدة.
هل تصبح مصر «الصين المتوسطية»؟
يشير اجتماع المناطق الصناعية الجديدة، وتوسعة ممر قناة السويس، وبرنامج بناء المدن الضخم، ومشروعات البنية التحتية الرابطة، إلى أن مصر تعيد توجيه نفسها بصورة منهجية نحو البحر المتوسط.
ويرى الكاتب أن السيسي ينفذ، باختصار، نسخة مصرية من النموذج الصيني، وتظهر في هذا النموذج جميع السمات المعروفة: حكومة قوية تدفع نحو بناء مدن جديدة في الصحراء، وتصنيع مكثف، وإنفاق ضخم على البنية التحتية، وخطاب تنموي قومي شعبوي، وتحول استراتيجي واضح نحو البحر، وكل ذلك تحت سيطرة سلطوية مشددة.
وتؤكد السياسة الجديدة للبلاد هذا الاتجاه، إذ يرى السيسي أن البيروقراطية المدنية القديمة في مصر متضخمة وغير كفؤة، وقال إن الدولة «أثبتت خلال الأربعين عامًا الماضية عدم كفاءتها في إدارة مشروعاتنا».
وردًا على ذلك، اتبع استراتيجية مزدوجة تقوم على تقليص القطاع العام القديم عبر تجميد التوظيف واستهداف خفض العمالة بنسبة 38%، بالتزامن مع بناء نخبة تكنوقراطية موالية عبر برامج تعليمية ذات طابع عسكري وقومي، مثل برنامج تأهيل الشباب للقيادة والأكاديمية الوطنية للتدريب وغيرها.
لكن هذه السياسة أدت عمليًا إلى خفض كبير في الدعم، وتقليص الإنفاق على الصحة والتعليم، وإضعاف الطبقة الوسطى القديمة التي كانت تعتمد على دعم الدولة.
ولم تُنشر الإحصاءات الرسمية للفقر منذ عام 2020، بينما تشير تقديرات مستقلة إلى ارتفاع معدله من 29.7% إلى 36.7% أو أكثر، في وقت كان فيه 69 مليونًا من أصل 112 مليون مصري لا يزالون بحاجة إلى دعم الخبز حتى أوائل عام 2025.
وبحسب أحد الخبراء، بلغ معدل البطالة الرسمي في أواخر عام 2025 أكثر قليلًا من 6%، لكن التوقعات تشير إلى أن نسبة المشاركة في قوة العمل ستبلغ نحو 43% عام 2026، وهي نسبة منخفضة للغاية. ويشير ذلك إلى احتمال ارتفاع معدل البطالة الحقيقي، إذ تخلى كثير من المصريين الراغبين في العمل عن البحث عن وظائف، بينما يصعب قياس معدلات التوظيف في ظل ضخامة الاقتصاد غير الرسمي في مصر.
وفي الوقت نفسه، تراجعت الحياة السياسية بصورة كبيرة، مع إضعاف الأحزاب المستقلة، وتحول البرلمان إلى جهة تصادق على قرارات السلطة، وفرض قيود مشددة على المجتمع المدني.
ويمكن قراءة هذه التحولات من منظورين. الأول، وهو الأكثر شيوعًا في التعليقات الغربية، يرى أنها نموذج معتاد للحكم السلطوي في دول العالم الثالث، حيث تُغطى سياسات القمع بخطاب تنموي، بما يؤدي في النهاية إلى إثراء نخبة ضيقة مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، وسحق المعارضة، وتوسيع نطاق عدم المساواة.
أما القراءة الثانية، فهي أكثر براجماتية وبرودة، وترى أن السيسي أدرك أن نموذج دولة الرفاه شبه الديمقراطية القديم في مصر لم يعد مستدامًا من الناحية الهيكلية.
وبحسب هذا المنطق، خلص حلفاؤه إلى أن وجود طبقة وسطى كبيرة «مستحقة» ومتقلبة سياسيًا وتعتمد على رعاية الحكومة، لا يمكن إصلاحه بصورة منتجة عبر القنوات الديمقراطية.
ويتمثل المسار الوحيد القابل للاستمرار، وفق هذا التصور، في نزع الطابع السياسي عن النظام القائم، وإلغاء العقد الاجتماعي القديم، وإعادة بناء مصر باعتبارها دولة تكنوقراطية تضع التنمية أولًا، بغض النظر عن التكلفة الإنسانية قصيرة الأمد.
وبعبارة أخرى، تشهد مصر حاليًا المرحلة الأولى من تحول السيسي، التي تقوم على استخدام رأس المال الأجنبي وصفقات استثمار الأراضي لتحقيق استقرار مالي مؤقت، وبناء الأساس المادي لمصر الجديدة، بما يشمل المدن والموانئ والمناطق الصناعية والبنية التحتية الرابطة، فضلًا عن نقل مركز الثقل السكاني والاقتصادي للبلاد نحو الساحل وقناة السويس.
أما المرحلة الثانية، فستكون الاختبار الحقيقي، إذ سيتوقف النجاح في نهاية المطاف على قدرة المصريين على الانتقال إلى المدن الجديدة بأعداد كافية، وقدرة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على جذب استثمارات صناعية مستدامة، ونجاح السياحة المتوسطية على نطاق واسع، وقدرة الاقتصاد الجديد على تحقيق نمو إنتاجي كافٍ وغير ريعي يبرر التكاليف السياسية والاجتماعية الهائلة لهذا التحول.
وباختصار، يعتمد نجاح المشروع على قدرة السيسي على المضي قدمًا في إعادة هيكلة الاقتصاد المصري بصورة شاملة.
السيسي وبناء «مصر الجديدة» على صورة فرعونية حديثة
ليست مصر الصين، فهي تختلف عنها من حيث الحجم والإرث الثقافي والانضباط والعمق الإداري ونقطة الانطلاق.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت مصر الحديثة تمتلك الدرجة نفسها من التماسك المجتمعي والصرامة الإدارية والاستعداد الثقافي لتحمل معاناة طويلة مقابل تحقيق مكاسب على المدى البعيد.
لكن بالنسبة إلى العاصمة الجديدة، لا يبدو أن هناك طريقًا للعودة. فبعد تفكيك العقد الاجتماعي القديم وإضعاف الطبقة الوسطى شبه الريعية السابقة بصورة متعمدة، أصبح نظام السيسي ملتزمًا بالكامل ببناء البديل.
ولم تعد العودة إلى الوضع الذي سبق عام 2013 خيارًا قابلًا للاستمرار. وسواء كان ذلك إيجابيًا أو سلبيًا، فإن «الجمهورية المصرية الثانية» باتت واقعًا مستقرًا.
ومن هذا المنظور، تعود مصر مرة أخرى إلى حكم فرعون حقيقي، بحسب وصف الكاتب، هو حاكم وبانٍ مصمم على إعادة تشكيل حضارته وفق رؤيته الخاصة.
https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/abdel-fattah-el-sisis-radical-gambit-to-remake-egypt

